الأقسام الشائعة



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَنْ سار على نهجه إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فمَنْ تأمل في واقع الدعوة الإسلامية اليوم أيقن أنَّ الأمة بأمس الحاجة إلى منهج الوسطية كمنقذ لها من الانحراف باتجاه الغلو والإفراط أو باتجاه التهوين والتفريط؛ هذان المسلكان اللذان عانت الأمة من آثارهما وعواقبهما الويلات والمحن والأزمات.
والوسطية في منهج أهل السنة والجماعة صفة ملازمة له، ولا يمكن لهذا المنهج الرباني في عصر من العصور أن يميل عن صفة الوسطية في أي باب من أبواب الدين، بل هو منهج مناسب لجميع العصور، ولهذا لا يحتاج إلى إصلاح ولا يحتاج إلى تعديل بحسب تغير الظروف والواقع كما يدَّعي المنحرفون اليوم.
ووسطية هذا المنهج إنما هي مستمدة من الله عز وجل؛ قال تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)).
وليس الوسط هو الشيء بين أمرين؛ بل الوسط هو العدل؛ وقد صح تفسير الوسط في الآية الكريمة السابقة بأنه العدل في أحد روايات حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يجيء نوح وأمته فيقول الله: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا ما جاء لنا من نبي. فيقول لنوح: مَنْ يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته؛ وهو قوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس" والوسط: العدل، فيدعون فيشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم)) [صحيح الجامع حديث (8034)].
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في [المجموع: 20/84]: ((العدل: هو الذي يُخبر بالأمر على ما هو عليه؛ لا يزيد فيكون كاذبًا، ولا ينقص فيكون كاتمًا)).
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في [إغاثة اللهفان: 1/182]: ((فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النمط الأوسط الذين ارتفعوا عن تقصير المفرِّطين ولم يلحقوا بغلو المعتدين؛ وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطًا وهي الخيار العدل لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدل هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط، والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف، والأوساط محمية بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها)).
وقال رحمه الله تعالى في [مدارج السالكين 2/496]: ((أحدها: الترخص الذي يجفو بصاحبه عن كمال الامتثال، والثاني: الغلو الذي يتجاوز بصاحبه حدود الأمر والنهي، فالأول تفريط، والثاني إفراط، وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلىتفرطٍ وإضاعةٍ، وإما إلى إفراطٍ وغلو، ودين الله وسطٌ بينَ الجَافي عنه والغالي فيه،كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أنَّ الجافيعن الأمر مضيعٌ له، فالغالي فيه مضيعٌ له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزهالحد)).
وبعد أن ذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى حديث أبي سعيد الخدري السابق من طريقه في كتابه [خلق أفعال العباد ص 77 - طبعة الهند] قال بعده: ((هم الطائفة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم")).
فجعل رحمه الله تعالى الأمة الوسط هي الطائفة المنصورة، وهذا هو الحق؛ لأنَّ منهج أهل السنة والجماعة هو الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وسار عليه أصحابه ومَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين، الإسلام النقي الصافي من شوائب الشرك والبدع والخرافات والضلالات والآراء المغلوطة.
وكما أنَّ الأمة الإسلامية وسط بين اليهود والنصارى، فمنهج أهل السنة والجماعة وسط بين الفرق والطوائف المفترقة في أبواب الدين. 
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في العقيدة الواسطية وهو يلخص منهج أهل السنة والجماعة: ((هم الوسط في فرق الأمة كما أنَّ الأمة هي الوسط في الأمم: فهم وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم، وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرافضة والخوارج)).
وقال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه معارج القبول: ((واعلم أنه كما أخبرنا الله تعالى عن الأمم السابقة أنهم اختلفوا اختلافاً شديداً وافترقوا افتراقاً بعيداً؛ وفي ذلك أعظم واعظ وأكبر زاجر عن الاختلاف والتفرق، ولم يقتصر سبحانه في تذكيرنا بذلك عليه؛ بل زجرنا عن الاختلاف زجرا شديداً وتوعد على ذلك وعيداً أكيداً، فقال تعالى: "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم. يوم تبيض وجوه وتسود وجوه"، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل البدع والاختلاف".
ثم فصَّل تعالى مآل الفريقين وأين توصل أهلها كل من الطريقين؛ فقال تعالى: "فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون".
وحذرنا عن ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو أولى بنا من أنفسنا فقال صلى الله عليه وسلم: "ألا وإنَّ من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإنَّ هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة؛ وهم الجماعة" وفي بعض الروايات: "هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، وقد حصل مصداق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق من الافتراق وتفاقم الأمر وعظم الشقاق فاشتد الاختلاف ونجمت البدع والنفاق. 
فافترقوا في أسماء الله تعالى وصفاته إلى نفاة معطلة وغلاة ممثلة، وفي باب الإيمان والوعد والوعيد إلى مرجئة ووعيدية من خوارج ومعتزلة، وفي باب أفعال الله وأقداره إلى جبرية غلاة وقدرية نفاة، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته رسول الله وأهل بيته إلى رافضة غلاة وناصبة جفاة؛ إلى غير ذلك من فرق الضلال وطوائف البدع والانتحال. وكل طائفة من هذه الطوائف قد تحزبت فرقاً وتشعبت طرقاً، وكل فرقة تكفر صاحبتها وتزعم أنها هي الفرقة الناجية المنصورة. 
وقد أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أنَّ الفرقة الناجية هم: من كان على مثل ما كان عليه هو وأصحابه؛ وليس أحد من هؤلاء كذلك، بل إنهم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل.
وذلك لأنه لا يعرف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا من طريق سننه المروية وآثاره المصطفوية التي هي الشريعة الغراء والمحجة البيضاء؛ وهؤلاء من أبعد الناس عنها وأنفرهم منها.
وإنما تصلح هده الصفة لحملتها، وحفاظها، ونقادها، المنقادين لها، المتمسكين بها، الذابين عنها، يقفون عندها، ويسيرون بسيرها، لا ينحرفون عنها يميناً ولا شمالاً، ولا يقدمون عليها لأحد مقالاً ولا يبالون من خالفهم ولا من خذلهم ولا يضرهم ذلك حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى. أعني بذلك أئمة الحديث وجهابذة السنة وجيش دولتها المرابطين على ثغورها الحافظين حدودها الحامين حوزتها؛ وفقهم الله عز وجل للاستضاءة بنورها، والاهتداء بهديها القويم، وهداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فآمنوا بما أخبر الله به من كتابه وأخبر به عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في سنته، وتلقوه بالقبول والتسليم إثباتاً بلا تكييف ولا تمثيل، وتنزيهاً بلا تحريف ولا تعطيل.
فهم الوسط في فرق هذه الأمة كما أنَّ هذه الأمة هي الوسط في الأمم:
فهم وسط في باب صفات الله تعالى بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة.
وهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين الجبرية والقدرية.
وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم.
وفي باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية.
وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرافضة والخوارج.
فهم – والله - أهل السنة والجماعة، وهم الطائفة المنصورة، إلى قيام الساعة، الذين لم تزل قلوبهم على الحق متفقة مؤتلفة، وأقوالهم وأعمالهم وعقائدهم على الوحي لا مفترقة ولا مختلفة، فانتدبوا لنصرة الدين دعوة وجهاداً، وقاوموا أعداءه جماعات وفرادى، ولم يخشوا في الله لومة لائم، ولم يبالوا بعداوة من عادى، فقهروا البدع المضلة وشردوا بأهلها، واجتثوا شجرة الإلحاد بمعاول السنة من أصلها، فبهتوهم بالبراهين القطعية في المحافل العديدة، وصنفوا في رد شبههم ودفع باطلهم وإدحاض حججهم الكتب المفيدة، فمنهم المتقصي للرد على الطوائف بأسرها، ومنهم المخلص لعقائد السلف الصالح من غيرها، ولم تنجم بدعة من المضلين الملحدين إلا ويقيض الله لها جيشاً من عباده المخلصين. فحفظ الله بهم دينه على العباد وأخرجهم بهم من ظلمات الزيغ والضلالة إلى نور الهدى والرشاد، وذلك مصداق وعد الله عز وجل بحفظه الذكر الذي أنزله كما قال تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، وإعلاء لكلمته وتأييداً لحزبه إذ يقول: "وإنَّ جندنا لهم الغالبون")).
أقول: ووسطية أهل السنة ليست مقتصرة على تلك الأبواب والمسائل التي ذكرها أهل العلم آنفاً، كلا، بل أهل السنة وسط في جميع مسائل الدين وأبوابه.
فمثلاً: هم وسط في التعامل مع النصوص الشرعية؛ بين إفراط أهل الرأي الذين ردوا النصوص في مقابل أقيستهم وآرائهم وحيلهم، وتفريط أهل الظاهر الذين أهملوا العلل وأعرضوا عن مقاصد النصوص.
وهم وسط في مسألة التحسين والتقبيح العقلي؛ بين إفراط الذين زعموا أنَّ الحسن والقبح صفات ذاتية للفعل لازمة له، وإنما الشرع جاء للكشف عنها، ولهذا فالعباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث الله تعالى إليهم رسولاً، وبين أهل التفريط الذين زعموا أنَّ الأفعال لا تشتمل على صفات هي أحكام ولا على صفات هي علل للأحكام، وليس فيها مصالح ولا مضار، وإنما أمر الله تعالى بأفعال ونهى عن أفعال لمحض إرادته لا لحكمة ولا لرعاية مصلحة أو لدرء مفسدة في الخلق والأمر. 
وهم وسط في باب السياسة والحكم؛ بين أهل الإفراط الذين جعلوا الحاكمية من أخص خصائص الإلوهية، وكفروا الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله من غير جحود ولا استحلال، ودعوا الشباب الإسلامي إلى التكتل في تنظيم حزبي لمقارعة ما يسمونهم بطواغيت الحكم؛ إما عن طريق العمل السياسي المنظم، وإما عن طريق إعلان الجهاد بالسلاح على الحكام وأعوانهم ومَنْ يقف بصفهم، وبين أهل التفريط من دعاة الديمقراطية والحرية الذين يدعون إلى فصل الدين عن السياسة، وأنَّ دستور الحكم هو أغلبية النواب.
وهم وسط في باب الجهاد؛ بين أهل الإفراط الذين أعلنوا الجهاد على الدول الإسلامية فضلاً عن دول الكفر، دون النظر إلى شروط الجهاد وضوابطه، وبين أهل التفريط الذين يدعون إلى التعايش السلمي والتسامح بين الأديان وحرية العبادة. إلى غير ذلك من الأبواب والمسائل.
أقول: وكذلك أهل السنة والجماعة وسط في باب "الموقف من المخالف"؛ بين أهل الإفراط وبين أهل التفريط. 
ومع أنَّ منهج أهل السنة والجماعة يفترق في هذا الباب عن هذين المنهجين افتراقاً بيناً، لكن الذي زاد في خفائه – بعد كثرة الجهل وقلة العلم – أنَّ كلا منهجي الإفراط والتفريط ينتسبان إلى منهج السلف، فصار كتمان هذا التمايز بينهما وبين منهج السلف داخل في قوله تعالى: ((وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ))، بينما بيان حقيقة المنهجين داخل في قوله: ((وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)).
ومنهج أهل الإفراط يمثله اليوم الحدادية نسبة لمحمود الحداد الذي أظهر الغلو في التبديع والتجريح بلا ضوابط ولا قواعد، ونسب ذلك لمنهج السلف، وتبعه على ذلك عبداللطيف باشيمل ومجموعة من الشباب المتحمِّسين، وتبعهم بعد فالح الحربي وفوزي البحريني وزمرتهم، وفتحوا لهم موقعاً سموه زوراً وتلبيساً بـ ((موقع الأثري)).
ومنهج أهل التفريط يمثله اليوم المميعة؛ وهم الإخوان المسلمون، وأذنابهم الذين ساروا على دربهم، ونسبوا ذلك لمنهج السلف، مثل المأربي الذي استمات في الدفاع عن قادة الإخوان في كتاب سماه [الدفاع عن أهل الإتباع] في مجلدين!، ومثل عدنان العرور الذي جعل سيد قطب أفضل مَنْ تكلَّم في المنهج!، ومثل الحويني ومحمد حسان أصحاب وجلساء الإخوان، ومثل الحلبي ومتعصبيه الذين نصَّبوا أنفسهم حماة عن أولئك، وفتحوا موقعاً أدخلوا فيه أصول الإخوان والمبتدعة في منهج السلف، وأدخلوا أهل الأهواء والمنحرفين في السلفيين؛ وسموا موقعهم بـ ((منتديات كل السلفيين)).
وكما أنَّ البدع فيها الغالي وفيها دون ذلك، كذلك الحدادية والمميعة فيهم الغلاة وفيهم دون ذلك؛ ممن اشتمل منهجه على بعض شعب هذين المنهجين، أو لم يصل بعد إلى مرتبة الغلو فيهما.
قال الشيخ ربيع حفظه الله تعالى: ((والآن فيه جماعة في الإنترنت على هذا المنوال؛ في الإنترنتجماعة يصفون أهل السنة أنهم حدادية، وصفات الحدادية متوفرة فيهم؛ الغلوّ, الكذب, ردالحقّ، نفس الطريقة الحدادية, فافهموا هذا، واضبطوا صفات الحدادية، فمن وجدت فيه فهومن الحدادية، أو شبيه بهم، أو أسوأ منهم)) .
والعلماء والمشايخ وطلبة العلم قد بينوا – ولله الحمد – سمات الحدادية وسمات المميعة في مجالس ورسائل وكتب وفتاوى ومقالات متعددة، فأحببتُ أن أجمع سمات الطائفتين في مقال واحد؛ ليتعرف القارئ الكريم على الفوارق بين منهج السلف وبين منهج الحدادية والمميعة، وذلك لأني رأيتُ البعض ينسب – بجهل ولبس أو بظلم وهوى - السلفيين تارة للحدادية!!، وتارة للميعة!!؛ كما كانت المرجئة تسمي أهل السنة خوارج، والخوارج يسمون أهل السنة مرجئة، بل حتى أنَّ بعض الشباب السلفي يصف غيره من إخوانه السلفيين بأنه ((مميع))!، أو ((حدادي))!، وهو لا يعرف متى يكون الرجل مميعاً؟ ومتى يكون حدادياً؟، فكان لا بد من معرفة سمات الحدادية وسمات المميعة.


سمات الحدادية الغلاة:

1- كل مَنْ وقع في بدعة فهو مبتدع
قلتُ: فهم لا يشترطون قيام الحجة والنظر إلى شروط التبديع وموانعه قبل التبديع مطلقاً، ولا يفرقون بين مَنْ وقع في بدعة ممن ينتمي لغير منهج السلف: فيطلق التبديع فيه، وبين مَنْ وقع في بدعة ممن ينتمي لمنهج السلف: فهذا إنْ وقع في بدعة ظاهرة واضحة كالقول بخلق القرآن وتكفير فاعل الكبيرة وتحريف الصفات والتي لا تحتاج إلى إقامة حجة فيطلق التبديع فيه، وبين مَنْ وقع منهم في بدعة خفية قد تشتبه فيها الأمور؛ فلا يبدع إلا بعد البيان والتفصيل.


2- كل مَنْ لم يبدع المبتدع فهو مبتدع
قلتُ: أي ولو لم يعرف حال المبتدع، أو لم تقم الأدلة والبراهين على تبديعه.
أما مَنْ أظهرنا له حال المبتدع بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة التي تدينه وتجرحه، فصار يجادل عنهم بالباطل، وينتصر لهم بالمعاذير الوهمية والتأويلات المتعسِّفة، ويطعن ويعادي مَنْ يجرحهم ويحذِّر منهم من أهل العلم الثقات، وينشر لأولئك ضلالاتهم على أنها تأصيلات سلفية، وأنها كلام حق، فهذا يلحق بالمبتدع ولا كرامة له.


3- التبديع بما لا يعد بدعة والتجريح والتشنيع بما لا يعتبره أهل السنة انحرافاً منهجياً.

قلتُ: التبديع في المنهج الحدادي يكون في غالب الأحيان عن جهل مطبق، وشيء في النفوس.
والواجب أن يعرف السلفي ما هي البدعة؟ ومتى يعد الشيء انحرافاً منهجياً؟!
فإنَّ المخالفة قد تكون مجرد خطأ أو خلاف الراجح في مسألة يسوغ فيها الخلاف أو خطأ مسلكياً من جهة الأخلاق والتعامل مع الآخرين، وقد تكون انحرافاً منهجياً، وكثيراً ما يقع الخلط بينها إما لجهل أو لهوى مع شبهة أو لأمراض نفسية أو لأغراض شخصية.
والبدعة هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الطريقة الشرعية يتقرب بها صاحبها إلى الله بلا دليل شرعي من محكم التنزيل ولا صحيح السنة ولا عمل السلف الصالح.
والانحراف المنهجي يكون: إما باختراع أصل كلي مخالف لأصول أهل السنة أو موافق لأصول أهل البدع، أو يكون بمخالفة أهل السنة في عدة جزئيات بما يجري مجرى القاعدة الكلية، أو يكون بموافقة أهل البدع في جزئية من الجزئيات التي صارت شعاراً لهم، أو يُخالف في جزئية من جزئيات الشريعة يوالي ويعادي عليها، أو يفرق جماعة المسلمين ويوالي موافقه ويعادي مخالفه ويفسِّقه ويستحل إيذاءه بسبب مسألة من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف، أو يأت ببدعة في الدين. 
وأما الخطأ المجرد عن التأصيل: فمثل مَنْ يٌقدِّر في أمر ما جلب مصلحة أو دفع مفسدة ثم لا يصيب الحق في ذلك التقدير، فهذا يُردُّ خطؤه بالدليل، ولا يُجرَّح أو يُبدَّع، إلا إذا كان مستنده في ذلك أصل كلي باطل، فيلحق بالانحراف المنهجي، ومثله: الخطأ في النقل عن أهل العلم بخلاف ما يريدونه من كلامهم، أو القول بجواز الترشيح في الانتخابات، أو جواز الخروج في التلفاز، أو التدريس في الجامعات المختلطة، وغير ذلك. 
وأما الخطأ الأخلاقي أو الانحراف المسلكي: فمثل مَنْ يظهر عليه أمور قد تدل على حب التصدر، أو انتقاص مَنْ سواه من طلبة العلم والدعاة، أو كثرة المزاح والضحك، أو تثبت عليه بعض الكذبات في حديث الناس، أو يماطل في تخطئة نفسه في مسائل الحقوق بين الناس، أو يظلم غيره ويتعدَّى عليه ببعض الكلمات أو ببعض التصرفات حمية للنفس وانتصاراً لها، أو يقصِّر في هديه الظاهر، فهذه الأخطاء المسلكية يُنكر على صاحبها ويُبيَّن خطؤه، لكن أيضاً لا يصل الأمر إلى حد التجريح أو التبديع.


4- التسرع في إطلاق أحكام التبديع.
قلتُ: الواجب على السلفي أن لا يتسرع في التبديع، بل يصبر على مَنْ وقع في بدعة أو انحراف منهجي، ويتلطف معه، ويرفق به، ولا يشهِّر به، ولا يؤلِّب الناس عليه، بل يحرص على نصيحته بالأدلة والبراهين، ويجتهد في إصلاحه بالوسائل الشرعية المتنوعة، فإنْ لم يجد منه تجاوباً، بل وجد منه إصراراً وعناداً وتمادياً في الباطل والانحراف، فعليه أن يرفع أمره إلى المشايخ المعروفين ولا يتقدَّم بين أيديهم في الحكم بالبدعة عليه، فإنْ بدَّعه المشايخ فيجب على السلفيين أن يقفوا معهم في نصرة الحق ورد الباطل، ولا يُفرِّقوا كلمة العلماء.


5- تحريم الترحم على كل مَنْ وقع في بدعة أو ظهر له انحراف في عقيدته ولو كان من أئمة السلف، وينكرون على مَنْ يترحم عليهم، بل ويمنعون إطلاق الألقاب العلمية التي يستحقونها كـ(الإمام) (العلامة) (الحافظ) (الشيخ)، ويعدُّون ذلك تعظيماً لأهل البدع، ويحرمون القراءة في كتبهم مع ما فيها من علم نافع وفوائد كثيرة.
قلتُ: والواجب على السلفي أن يفرِّق بين انحراف العالم وبين انحراف المبتدع، فالعالم يتحرى الحق من جهة الشرع ويستفرغ وسعه في تحصيله لكنه لم يصبه فيزل، ويكون ذلك في مسائل خفية، ولو قامت الحجة عليه لرجع إلى القول الحق. بينما المبتدع يقصِّر في طلب الحق، أو يعرفه ولا يتبعه، أو يسلك سبيل الزائغين في تحصيله فيقع في الانحراف، ويكون ذلك في مسائل ظاهرة واضحة، ولا يرجع عن باطله ولو قامت الحجة عليه بالأدلة والبراهين. فالعالم يُبيَّن انحرافه وتحفظ كرامته ومنزلته ويترحم عليه، وأما المبتدع فيبين ضلاله ويحذَّر منه ومن كتبه، ولا يعظَّم بالدعاء له أو بالألقاب أو بالأوصاف مما قد يغتر الجاهل الذي لا يعرف حاله به.
والحدادية أيضاً لا يكتفون بوصف مَنْ وقع في بدعة من علماء ومشايخ السنة المجتهدين بقول: "عنده بدعة"، أو "عنده أشعرية"، أو "عنده انحراف في كذا مسألة"، بل يلزمون الناس بتبديعهم وإنْ لم تظهر الأدلة والبراهين!، وإنْ لم تتحقق الشروط وتنتفي الموانع في الحكم عليهم بالتبديع.


6- انتقاص العلماء والمشايخ الذين لا يوافقونهم، والطعن بهم ومعاداتهم بشتى الأساليب، وتعظيم مَنْ يوافقهم والتعصب له، حتى يرفعونه إلى أعلى مراتب العلماء ويصفونه بأضخم الألقاب.
أقول: مسألة عدم الاعتداد بأهل العلم المعاصرين صار سمة ظاهرة للمنهج الحدادي.
ونحن نقول: العلماء والمشايخ المعروفين بسلامة المعتقد وسداد المنهج الذين يتحرون الحق ويجتهدون في تحصيله بالسبيل الشرعي، هؤلاء لهم مكانتهم ومنزلتهم الرفيعة سواء وافقوا الحق أو خالفوه، لأنهم مأجورون إنْ أصابوا أو أخطؤوا، فلا ينبغي للسلفي أن ينتقصهم إذا خالفوه في مسألة، بل ينتصر للحق ويرد ما عندهم من أخطاء بالأدلة والبراهين وبأدب واحترام، أما إنْ ظهر ما يدل على انحرافهم أو أُقيمت عليهم الحجة ولم ينقادوا لها فلا مكانة لهم في نفوس السلفيين.
لكنَّ الحدادية يثورون على كلِّ عالم أو شيخ لا يوافقهم، ويسعون في إسقاطه، ويشنون عليه حرباً هوجاء، ويؤلِّبون عليه الناس الدهماء، ويجرؤون في الكلام فيه الغوغاء.
وأما مسألة وصف بعض المشايخ وطلبة العلم بأضخم الألقاب ورفع مكانتهم إلى مرتبة العلماء الراسخين في العلم؛ فهذه من بلايا هذا العصر، ولها عواقب سيئة على الشباب والدعوة السلفية فلينتبه لذلك. وهذا أيضاً من صنيع الحدادية في كلِّ مَنْ يوافقهم ويكون في صفهم ضد العلماء.


7- مخالفة أئمة السلف في مواقفهم من زلات العلماء بحجة تحريم التقليد.
قلتُ: لقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى المنهج السلفي من أخطاء العلماء وزلاتهم في كتابه [رفع الملام عن الأئمة الأعلام]، وكذلك في بعض الآثار السلفية ما يدل على أنَّ الأئمة كانوا يعتذرون لمَنْ وقع في انحراف من أئمة السلف ولا يسقطونه، لكنَّ الحدادية اليوم لا يتبعون هذه الآثار، بحجة أنَّ متابعة هذه الآثار تقليد لأصحابها، والتقليد محرم.
بينما نجدهم يقلِّدون بعض العلماء المعاصرين في بعض المسائل ولو خالفوا الصواب بالأدلة والبراهين. وكذلك يقلِّدون رؤوسهم ولا يخرجون عن أقوالهم البتة.


8- إثارة الفتن والتحريش والتفريق بين السلفيين بسبب بعض المسائل التي يسوغ فيها الخلاف.
قلتُ: المسائل التي يسوغ فيها الخلاف، هي المسائل الخفية التي يحصل فيها اشتباه بسبب خفاء الأدلة أو تعارضها - من حيث الظاهر - مع عدم وضوح الحق فيها، فمثل هذه المسائل لا ينبغي أن نحدث فتنة أو تفريقاً بين السلفيين بسببها، نعم نتناقش في مثل هذه المسائل لمعرفة الصواب فيها لكن في إطار الحوار الهادئ العلمي الموضوعي، وقد اختلف سلفنا الصالح في مثل هذه المسائل مع بقاء الألفة والمحبة والاجتماع.


9- تطبيق مبدأ الهجر في كل مخالفة
قلتُ: معلوم أنَّ الإنسان غير معصوم من الخطأ، فلو أنَّ كلَّ مسلم خالف الشريعة في أمر من الأمور يجب أن يهجر لما بقي أحد مع الهاجر!، بل الهجر يكون في المخالفات الكبيرة الظاهرة، وبخاصة إذا ظهر للرجل انحرافات منهجية فإنه يهجر؛ لكن بعد مناصحته والصبر عليه والترفق به كما تقدَّم.
أما الأخطاء المجردة عن التأصيل أو المخالفات السلوكية فنحن في هذا العصر نحتاج أن نصبر على أصحابها، وأن نبقى معهم نتناصح ونتعاون في الخير، والمؤمن ضعيف في نفسه قوي مع إخوانه.


10- رفض أصول أهل السنة في مراعاة المصالح والمفاسد والأخذ بالرخص.
قلتُ: وهذا من تنطعهم وتشديدهم على أنفسهم ومن الأغلال والآصار التي ابتدعوها، ومعلوم أنَّ الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، والله عز وجل يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، ولهذا أمرنا الشارع بالتيسير والتبشير ونهانا عن التعسير والتنفير، ورفع عنا الحرج، فينبغي للسلفي أن يراعي المصالح والمفاسد، وليعرف أنَّ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التزاحم، وأنَّ تحصيل أعظم المصلحتين باحتمال أدناهما ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما هو الواجب، وأنَّ يجب الأخذ بقاعدة دفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى أو تقليل الشر باحتمال أخف الضررين؛ فهذه قواعد قد جاء بها الشرع الحكيم، وأدلتها متضافرة، وعليها عمل السلف، فلا ينبغي أن يتجاهلها السلفي أو يردها.
ومعلوم أنه لا اجتهاد في مقابل النص؛ لكن مخالفة النص من أجل تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة بالضوابط الشرعية لا يدخل في ذلك، ومن هذه الضوابط:
الأول: أن يكون الشيء المرجو – سواء كان تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة – حقيقياً، وليس وهمياً. وما أكثر ما يخالف الناس الأمر أو النهي بدعوى تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة، ثم لا يتحقق – بل يعجزون عن تحقيق – ما ادعوه.
الثاني: أن يكون الشيء الذي يخشى فواته أو وقوعه أكبر من مصلحة الأمر ومفسدة النهي؛ وهذا لا يعرفه إلا العلماء الراسخون، أما الدعاة الحركيون أو السياسيون أو الحماسيون أو المتعاطفون معهم والمتأثرون بهم فليس لهم استنباط سديد ولا يؤخذ بفهمهم.
الثالث: أن يستفرغ الوسع في تحصيل المصلحة أو دفع المفسدة بالوسائل المشروعة، فإنْ عجزوا عن ذلك، ولم يبق لهم سبيل إلا بوسيلة لم تشرع، فحينها يتحقق مناط الاضطرار، والضرورات تبيح المحظورات.
الرابع: أن لا يتوسَّع في استعمال الوسيلة التي لم تشرع، وإنما يكتفي بالقدر الذي تحصل به دفع المفسدة وتحصيل المصلحة ولا يزيد عليه، لأنَّ الضرورات تقدِّر بقدرها.


11- تفريق السلفيين والطعن بعلمائهم وذلك بإثارة موضوع جنس العمل وشرط الصحة، ووصف مَنْ لا يكفر تارك الصلاة أو تارك المباني الأربعة وما دونها من الأعمال الصالحة من أهل العلم وطلابهم بالإرجاء ومخالفة الإجماع، والتشنيع على مَنْ يعذر بالجهل في مسائل الكفر.
أقول: ولا شك أنَّ بين الغلو في التبديع وبين الغلو في التكفير علاقة وثيقة، ونحن نعلم أنَّ الغلو في التبديع باب إلى الغلو في التكفير.
لهذا فالواجب أن نعلم أنَّ الخوض في مسألة الجنس والآحاد وتارك العمل وشرط الصحة كان منشأه من خلال مكر القطبيين وعلى رأسهم سفر الحوالي في كتابه [ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي] لتمزيق السلفيين والطعن بعلمائهم الذين لا يجيزون الخروج على الحكَّام المسلمين ولا تكفيرهم بمجرد الذنوب من غير استحلال ولا جحود. 
وقد صرَّح سفر الحوالي باتهام العلماء الذين لا يكفرون تارك الصلاة أو لا يكفرون تارك المباني الأربعة بالإرجاء.
وأما التشنيع والتبديع لأهل العلم الذين يعذرون بالجهل في مسائل التكفير؛ فهذه طريقة محمود الحداد وجماعة من الشباب معه.


12- لا يرون أحداً من السلفية إلا هم، ويزكي بعضهم بعضاً، ويقربون مَنْ وافقهم ويبعدون مَنْ خالفهم.
قلتُ: وهذه من صفات الحزبية الضيقة.
وما أكثر ما نجد مثل هذه الصفات في صفوف مَنْ ينسبون أنفسهم للسلفية، فتراهم لا يعترفون بأحد ولا يحترمون أحداً ولو كان أعلم من شيوخهم، وإنما مدار الحب والبغض والعداوة والموالاة والبعد والقرب على قدر محبة وتعظيم كبيرهم وموافقة جماعتهم. بينما قد نرى الحدادية أحياناً يوالون أهل البدع للكيد من أهل السنة ومحاربتهم فحسب.





13- تسترهم ببعض علماء السنة مكراً وكيداً، فينشرون لهم في مسائل فقهية أو حديثية مع مخالفتهم لهم في منهجهم العام.

فتراهم ينشرون للشيخ الألباني أو الشيخ ابن باز أو الشيخ ابن عثيمين أو الشيخ ربيع أو الشيخ عبد العزيز آل الشيخ أو غيرهم من العلماء والمشايخ في مسائل في الصلاة أو فتاوى عامة في مسائل فقهية، وما قصدهم نشر العلم وإنما قصدهم التلبيس، ليظنَّ بهم القارئ أنهم على نهج هذا الشيخ، وأنهم لا يطعنون به، وأنهم مرتبطون بالعلماء موقِّرون لهم، أو أنَّ هؤلاء العلماء معهم في منهجهم الحدادي!!.

14- رفضهم لقواعد الجرح والتعديل التي وضعها علماء الحديث، والتفريق بين تطبيق هذه القواعد في الرواة وبين تطبيقها في المبتدعة.

أقول: لأنَّ الحدادية ليس لهم قواعد علمية ينضبطون بها، بل مواقف مختلفة في المسألة الواحدة، ولهذا يرفضون الانصياع لقواعد أهل الحديث في مسائل الجرح والتعديل، فيجرحون بلا قادح معتبر، ويجرحون من غير تفسير للجرح ولا ذكر لأدلته وبراهينه، ويدَّعون التفريق بين موقف أئمة الحديث من الرواة وموقفهم من المبتدعة، مع إنه كثير من الرواة جرحوا ببدعة، فكيف يزعمون التفريق؟!

15- التقول على أهل السنة ونسبة ما لم يصدر منهم لهم افتراءاً وبهتاناً.
ألسنتهم حداد وقلوب غليظة وأفعال وتصرفاتهم فظة.
الجفاء والإرهاب والظلم والعدوان والسب والطعن في المواقف والردود.
الكبر والعناد والهوى والمجادلة بالباطل.
الغلو والتنطع وشدة الحقد والعداوة.
أقول: وهذه صفات ظاهرة فيهم لا تخفى على مَنْ أبصرهم وقرأ كتاباتهم.


أما سمات المميعة؛ فهي:

1- التهوين من الاختلاف في مسائل العقيدة والمنهج.
قلتُ: ولهذا تجدهم يجتمعون مع الكل بغض النظر عن عقائدهم ومناهجهم، ولا يُنكرون على مَنْ ظهرت له انحرافات في مسائل العقيدة والمنهج، ويزعمون أنَّ الخلاف في العقيدة واقع بين الصحابة، كل ذلك من أجل غايتهم السياسية وهي الوصول إلى مناصب الحكم، فيحرصون على تكتيل الناس وجمعهم دون تصحيح عقائدهم، لتكون لهم قاعدة جماهيرية واسعة وصوت مؤثر في الساحة، وأصلوا قاعدة: نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضناً بعضاً فيما اختلفنا فيه.





2- إدخال الفرق المعاصرة والدعوات الحزبية في مفهوم أهل السنة والجماعة.
قلتُ: فيزعمون أنَّ كل مَنْ ينتسب للمذاهب الأربعة فهو من أهل السنة والجماعة؛ ولو وافق الخوارج أو المعتزلة أو الجهمية أو المرجئة أو القدرية أو غيرهم من الفرق في مسائل. فيدَّعون أنَّ الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ وحزب التحرير وجماعة الجهاد والقطبية والسرورية وجماعات التكفير كلهم من أهل السنة. ويعدُّون "السلفيين" جماعة تدخل في إطار أهل السنة والجماعة؛ حالها كحال الفرق والأحزاب الأخرى، فيفرقون بين "السلفيين" وبين "أهل السنة والجماعة".


3- الدعوة إلى التقريب بين الفرق والطوائف الإسلامية.
قلتُ: لا يخفى على أحد ما قام به الإخوان المسلمون من محاولات باءت بالفشل في التقريب بين السنة والشيعة، هذه المحاولات التي لم تزد أهل السنة إلا وهناً، بينما استغل الرافضة ذلك في نشر عقائدهم في بلاد أهل السنة.
وكذلك ما قام به البعض من محاولات التقريب بين أهل السنة والصوفية، وبين أهل السنة والأشاعرة والماتريدية، وبين أهل السنة ومرجئة الفقهاء، وبين أهل السنة وخوارج العصر.


4- الدعوة إلى التسامح الديني والتعايش السلمي والحوار الديني ووحدة الأديان.
قلتُ: وهذه هي أعلى مراتب التهوين وتضييع الثوابت وتمييع الأصول والمسلَّمات، فيحاول هؤلاء أن يؤسسوا قاعدة بين أهل الإسلام وبين اليهود والنصارى تحوي القواسم المشتركة بينهم وإلغاء الفوارق العقدية وذلك من خلال سلسلة من الحوار بين هذه الأديان، بدعوى أنَّ الحرب الآن ضد الإلحاد والشيوعية والماسونية، وهذه الفكرة توجب تعطيل عقيدة الولاء والبراء، وإلغاء حكم جهاد الطلب، وإظهار المودة للكفار، وعدم التصريح بكفرهم، وعدم التعرض لدينهم وعقائدهم الكفرية، وإدعاء أنَّ دينهم سماوي، وأنَّهم مؤمنون، وأنهم إخوة لأهل الإسلام، وكل ذلك ضلال بـيِّن.


5- الاحتجاج بالخلاف في رد الأدلة الواضحة. 
قلتُ: قد يختلف العلماء في مسائل معينة أو قضايا أعيان، فالواجب على المسلم أن ينقاد للأدلة والبراهين، ولا يجوز له أن يجعل الخلاف حجة في جواز الأمرين أو القولين، ولا يجوز أن يجعل المسألة من مسائل الاجتهاد التي يسوغ الخلاف فيها بمجرد أن يجد فيها خلافاً ولو لم يكن معتبراً، بل ولو كان ضعيفاً. والحجة في النص والإجماع وقول مستنبط أدلته منهما، وكلام أهل العلم يحتج له لا يحتج به، وتتبع رخص العلماء مسلك خطير وقد ذمه سلفنا الصالح.


6- قاعدة نصحح ولا نجرِّح.
قلتُ: معلوم أنَّ الناس ثلاثة أقسام: عدل ومجروح ومجهول، ولهذا تجد أئمة السلف يصنفون الناس من خلال هذه المراتب وبألفاظ معلومة في كتب الجرح والتعديل، وذكر أئمتنا رحمهم الله تعالى المجروحين بأعيانهم، وصنَّفوا كتباً خاصة في ذلك، ولم يقل أحدٌ منهم لا يجوز التجريح!، ولم يقل أحدٌ منهم: الواجب ذكر الأخطاء وتصحيحها أو ردها دون التعرض للأعيان والذوات!، ولا عدُّوا ذلك من الغيبة أو انتهاك أعراض الناس.
لكن أهل التمييع اليوم يرفضون التجريح من أصله، وينُكرون على مَنْ جرَّح بالأدلة والبراهين، ويصفونهم بأوصاف شنيعة لتنفير الناس عنهم، وأيضاً حماية لهم أن يصلهم التجريح.
وبعضهم يقول: نرد الخطأ ونصححه وننقده ونتواصى بالحق لكن من غير تحذير من الأعيان ومن غير إلزام ولا إنكار ولا تشنيع أو تجريح أو تبديع.
وبعضهم يقول: ننقد الأخطاء لا ذات المنقود.
وبعضهم: نصحح ولا نهدم.
وهذه عبارات تتفق في المعنى وتختلف في المبنى، والغاية منها تعطيل باب جرح المبتدعة والتحذير من المنحرفين. وأما باب تعديل المجاهيل وتزكية المنحرفين فهو مفتوح على مصراعيه.


7- استعمال الألفاظ المجملة والعبارات المشتبهة والأجوبة السياسية في تقرير المسائل.
قلتُ: وسلفنا الصالح أوجبوا على المتكلِّم التفصيل في الأجوبة التي قد تحتمل حقاً وباطلاً، وعدُّوا استعمال الألفاظ المجملة والعبارات المشتبهة التي تحتمل الحق وتحتمل الباطل من طريقة أهل البدع، وكانوا ينكرون على منْ يسلك هذا المسلك وينسبونه للبدعة، ويدخل في ذلك الأجوبة السياسية التي يحرص صاحبها أن يرض جميع الأطراف ويحذر من معادة طرف منها.


8- إيقاف العمل ببعض النصوص والآثار السلفية من أجل مراعاة مستجدات الواقع المعاصر.
قلتُ: فأهل التمييع يجعلون الواقع يتحكَّم بالشرع، ويعدُّون الدعوة إلى إعمال ما كان عليه السلف الأوائل في هذا العصر من المحال، ولهذا يتنازلون عن أحكام كثيرة، ويداهنون في مسائل عديدة، ويزعمون أنَّ المنهج السلفي يتغير بتغير الظروف. ونحن نعلم أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً. وأنَّ هذا الدين صالح في كل زمان ومكان، وإنما قد يخطئ البعض في تنزيل أحكام الشرع على الواقع، أو في عدم التدرج في تعليم الأحكام والعمل بها، لكن أنَّ ندَّعي عدم صلاحية أحكام شرعية معينة في هذا العصر؛ هذا لا يجوز.


9- مخالفة النصوص الصريحة بحجة مراعاة المصالح والمفاسد الوهمية.
قلتُ: تقدَّم ذكر ضوابط العمل بالمصالح والمفاسد، وما أكثر في هذا العصر مَنْ يدَّعي في مخالفته للنصوص الصريحة أو الأحكام الشرعية الواضحة أنه يراعي مصلحة أو مفسدة، وعند النظر فيها والتفتيش نجدها مصلحة وهمية أو مفسدة وهمية. فالواجب ترك تقدير مثل هذه المسائل للعلماء الراسخين في العلم دون مَنْ سواهم.


10- رفض أحكام العلماء والمشايخ المبنية على الأدلة الواضحة والبراهين القاطعة في التبديع والتحذير من المنحرفين.
قلتُ: بعض الناس جعل التحذير من المخالفين وتجريحهم أو تبديعهم فتنة؛ ولهذا يستنكر أحكام العلماء في التحذير والتجريح، مع أنه يعلم أنهم لا يجرحون إلا مَنْ يستحق، ولا يجرحون إلا بقادح معتبر، ولا يجرحون إلا جرحاً مفسَّراً.
ولهذا حاول البعض في هذا العصر التشكيك بقاعدة تقديم الجرح المفسَّر على التعديل المبهم، فرفض الإلزام بالجرح المفسَّر المعتبر المقنع بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة إلا بشرط الإجماع أو الإقناع، أي: بشرط أن يجتمع على جرح المنحرف كل العلماء، أو يقتنع المخالِف لهذا الجرح. وهذان شرطان يجعلان من القاعدة المتقدمة مجرد تنظير لا واقع له، لأنَّ تحقق الإجماع صعب، وربط الحجة بقناعة المخالِف غير منضبط؛ فهذا منهج واسع لو استعملناه لرددنا الكثير من أحكام أئمة الحديث في الجرح والتعديل.


11- الطعن بالعلماء والمشايخ السلفيين الذين يحذِّرون الناس من المبتدعة والمنحرفين بالغلو والتشديد والتفريق بين أهل السنة، ووصفهم بأوصاف السوء، والسعي في تنفير الناس عنهم.
قلتُ: وهذا من عجيب أمر هؤلاء المميعة، فهم يستنكرون الطعن والتجريح والتحذير في أقوام هم يعلمون أنهم عندهم انحرافات، لكنهم مع العلماء الأثبات لا يتورعون في تجريحهم ووصفهم بأوصاف قبيحة وغليظة، ويُحذِّرون منهم ومن منهجهم، ويُنفِّرون الناس عنهم!!. ومعلوم أنَّ من علامة أهل البدع الطعن في أهل الأثر.


12- مناصرة المبتدعة والذب عنهم، ومجالستهم ومخالطتهم وتوقيرهم والثناء عليهم.
قلتُ: أهل التمييع جعلوا من أنفسهم محامين ومدافعين عن أهل الانحراف، ولا يتحرجون من الجلوس مع أهل البدع من المتحزبة والتكفيريين والقطبيين وغيرهم، بل لهم معهم علاقات وثيقة وتعاون مشترك في مواقف متنوعة، ويستنكرون مسألة هجر المبتدعة أو يجعلون لها ضوابط يصعب تحققها في الواقع، ويصحب ذلك توقير وثناء عليهم وعلى جهودهم. ولا شك أنَّ سبب هذا يعود إلى قلة حميتهم لهذا الدين وضعف غيرتهم على السنة، وهم بهذا الفعل يزينون أعمال المنحرفين، ويغررون الناس بهم.


13- فتح باب الموازنة بين الحسنات والسيئات في حال النقد والرد والتحذير من أهل الانحراف.
قلتُ: ما تجد مميعاً إلا وهو يقول بهذا الأصل الفاسد أو يعمل به، والبعض يحاول جاهداً التأصيل والاستدلال له من نتف بعض كلام أهل العلم بعد تحريفه وتحميله ما لا يحتمل، ومعلوم أنَّ العلماء فصَّلوا في هذا الأمر؛ فما كان في مقام الترجمة والتقويم فلا بأس من ذكر ما لأهل البدع وما عليهم من حق وباطل ومن محاسن ومثالب بشرط عدم التغرير بهم، وما كان في مقام الرد أو النقد أو التحذير فلا يجوز أن تذكر حسناتهم قط؛ لأنَّ ذلك يضعف الرد ويشوش فكر السامع ويوجب له الحيرة والاضطراب، وقد يلتبس عليه أمره فيغتر به. فالواجب في مقام التحذير أو الرد أن تذكر الملاحظات أو الانحرافات من غير ذكر محاسن صاحبها. والمميعة لا يلتزمون بهذا الأصل، بل منهم مَنْ قال بمشروعية ذكر المحاسن في مقال التحذير، ومنهم مَنْ جعل ذلك مقيداً بالحاجة إنْ اقتضت ذلك، والحاجة ليس لها ضابط عنده!.


14- مشروعية التحزب في الإسلام، والتعامل مع الجمعيات الحزبية. 
قلتُ: اتفقت كلمة أهل العلم المعاصرين على عدم مشروعية التحزب في الإسلام، وذكروا أدلة ذلك، ولكن أهل التمييع هوَّنوا من هذا الأمر كما هوَّنوا من غيره، فمنهم مَنْ صرَّح بمشروعية التحزب وقام بإنشاء حزب خاص به وبجماعته، ومنهم مّنْ علَّق الأمر على أصل الاجتماع، فإن اجتمعوا على البر والتقوى جاز لهم أن يؤسسوا حزباً، وإن اجتمعوا على الإثم والعدوان لم يجز لهم ذلك، وهذا تلاعب وخلط، لأن الأولين أيضاً يزعمون أنهم ما اجتمعوا إلا على البر والتقوى!، وقياس التحزب على التجمع الشرعي قياس فاسد، لأنَّ التحزب يتضمن موالاة للأمر الذي تحزَّبوا حوله ومعاداة لضده، وتعصّب لقيادات الحزب، أما التجمع الشرعي فهو مجرد مشاركة جماعية في تحصيل مطلوب ليس بين المجتمعين فيها ولاء خاص ولا براء خاص ولا إخاء خاص!، وفي التحزب يتحالف المتحزبون بحلف خاص ويعقدون عقداً خاصاً بينهم، بينما لا حلف في الإسلام، ولا عقد بين أهل الإسلام إلا عقد الإخاء المبني على الإيمان.
وبعض المميعة لم يصرحوا بإنشاء حزب بعد؛ ولكنهم يتعاملون مع الأحزاب والجمعيات الحزبية في مجالات مختلفة، وهذا فيه إقرار وتلبيس وتغرير؛ وهو مخالف لأصل هجر المبتدعة حتماً.


15- دعوة السلفيين إلى الدخول في العمل السياسي المنظَّم. 
قلتُ: أهل التمييع منهم مَنْ دخل في العمل السياسي المنظم قبل أكثر من نصف قرن، ولا زال، مع أنَّ الواقع أثبت فشلهم وضياع دعوتهم وانحسارها، وأما أذناب هؤلاء فيريدون أن يعيدوا الكرة من جديد!.
ونحن نعلم أنَّ السياسة المعاصرة مبنية على الكذب والنفاق والغش والتلون والتقلب؛ فلا أدري كيف لسلفي يسوغ لنفسه أو لغيره الدخول في دهاليز هذه السياسة المظلمة؟!، وبأي شيء سيخرج وقد دخل في هذا العمل أقوام فلم يعودوا إلا بالخيبة والخسران؟!


16- إنكار التصنيف المعاصر للمخالفين إلى طوائف. 
قلتُ: تقدَّم أنَّ أهل التمييع يدخلون كل الأحزاب والدعوات المعاصرة التي تنتسب للمذاهب الأربعة في إطار أهل السنة والجماعة، ولهذا فهم يُنكرون تصنيف المخالفين في هذا العصر إلى طوائف وأحزاب. وعندهم الطوائف هي القدرية والجبرية والمعتزلة والخوارج والمرجئة وأمثالها.
والواجب أن يحصل التمايز بين أهل السنة وأهل البدع في كل عصر، ولا يجمع أهل الحق مع أهل الباطل في مسمى واحد، لأنَّ في هذا تغريراً وتلبيساً على الناس، وبيان سبيل المجرمين يستلزم تعيينه وتمييزه عن سبيل أهل الحق.
وبعض المميعة اليوم يقول: من قال بكل ما امتازت به الطائفة المنحرفة نُسب إليها مطلقاً, ومَنْ خالفها في بعض خصائصها لم تصح نسبته إليها بإطلاق؛ بل يقال: هو منها فيما وافقها فيه مما اختصت به, وليس منها فيما خالفها فيه مما امتازت به عن غيرها.
أقول: وكون الرجل يقول بكل ما امتازت به المعتزلة أو الخوارج أو الصوفية أو الأشاعرة أو الإخوان المسلمين أو القطبية هذا محال، وعلى هذا فلا يُنسب أحدٌ إلى تلك الفرق.
ونحن نعلم أنَّ مَنْ وافق الخوارج في التكفير بالكبيرة فهو خارجي مثلهم وإن لم يستبح دماء المسلمين، وكذلك مَنْ قال بأنَّ القرآن مخلوق فهو معتزلي وإن لم يقول بتخليد فاعل الكبيرة في النار. 
والبعض يقول: كل مَنْ كان على مثل ما كان عليه السلف علماً وعملاً كان سلفياً فيما وافق فيه منهجهم, ومَنْ خالفه كان مبتدعًا فيما خالف فيه الحق وإنْ كان سلفيّاً فيما سواه، فلا يوصف المسلم بأنه مبتدع باعتبار الاسم المطلق, ولا بأنه سلفي باعتبار الاسم المطلق؛ ولكن لاعتبار مطلق الاسم؛ بمعنى أنه يوصف بأنه (سلفي) فيما وافق السلف، (مبتدع) فيما خالفهم.
أقول: وهذا خلط وتلاعب وتلبيس من قبل هؤلاء المميعة، وإنما يؤصَّلون مثل هذه الأصول حتى لا يخرجوا الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ وغيرها من الأحزاب والفرق المعاصرة من إطار أهل السنة!.
ونحن نسألهم سؤالين اثنين:
الأول: أليس عند المعتزلة أو الخوارج أو الأشاعرة أو المرجئة شيئاً من الحق الذي كان عليه السلف؛ فهل يُبدَّعون بإطلاق أم على تفصيلكم المتقدِّم؟!!
الثاني: الرجل الذي يوصف بأنه (سلفي) فيما وافق السلف، (مبتدع) فيما خالفهم؛ ما هو الحكم الأخير له؟!
هل هو سلفي يعامل بمعاملة السلفيين؟
أم مبتدع يعامل بمعاملة المبتدعة؟
أم سلفي مبتدع له منزلة بين منزلتين؟!


17- دعوى أنَّ الانتساب إلى السلفية أمر حادث.
قلتُ: فهم يُنكرون إطلاق تسمية أهل الحق بـ "السلفيين"، ويعدونه مصطلحاً حادثاً، وأنَّ المصطلح الشرعي الوحيد هو "المسلمون"، مع أنَّ مصطلح "المسلمين" كان قبل تفرق الأمة إلى فرق وقبل حدوث الفتن، وقد صحت الأخبار أنَّ الأمة الإسلامية ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، وقد حدد صلى الله عليه وسلم الفرقة الناجية بقوله: ((مَنْ كان على ما أنا عليه وأصحابي))، وهؤلاء هم سلف الأمة الصالح، فلا إنكار على مَنْ انتسب إليهم، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق.
ولنا أن نسألهم: إذن لماذا تسمون أنفسكم بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان؟!
ولماذا لا تنكرون مصطلح "أهل السنة والجماعة" كما أنكرتم مصطلح "السلفيين"؟!
وليس لهم على ذلك جواب!.


18- معاملة أهل البدع كمعاملة أهل المعاصي.
قلتُ: فرق كبير بين المبتدعة وبين أهل المعاصي، فالمبتدع يلبس مخالفته لبوس الدين، وأما العاصي فيعرف أنه مخالف للشريعة، ولهذا يغتر الناس بالمبتدع ولا يغترون بأهل المعاصي، والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأنَّ أهل البدع لا يتوبون وأهل المعاصي يتوبون. وقد كان صلى الله عليه وسلم يأمر بالصبر على الأمراء الظلمة وينهى عن الخوارج عليهم بالسيف ومقاتلتهم، بينما كان يأمر بقتل الخوارج ويُرغِّب فيه.
فليس من العدل أن يسوي المسلم بين معاملة المبتدعة وبين معاملة أهل المعاصي، من حيث الولاء والبراء، والمحبة والبغض، والقرب والبعد، والشدة والغلظة واللين والرفق، وشروط التوبة، وغير ذلك، لكن أهل التمييع يعاملون أهل البدع كما يعاملون أهل المعاصي؛ فيوالونهم بقدر الإيمان الذي عندهم ويُعادونهم على قدر مخالفتهم، وكذلك المحبة والبغض والقرب والبعد!!، ويُطالبون معاملتهم بلين ورفق ويضربون أمثلة من السنة كانت في أهل المعاصي!، ولا يشترطون في توبة المبتدعة ما اشترطه السلف الصالح من البيان والرجوع عن كل المخالفات وعزلهم عن الناس مدة من الزمن حتى يُلاحظ استقامتهم على التوبة.


19- وضع القيود والضوابط التي تكاد تمنع من معاملة المنحرفين في أحكام المبتدعة.
قلتُ: وهذا ملاحظ على أهل التمييع، فيجعلون قيوداً عديدة وضوابط كثيرة تمنع أو يصعب تحققها، ولهذا يوقفون العمل بأحكام المبتدعة من تبديع وهجر وتحذير بذريعة عدم تحقق الضوابط!!.
ولعلَّ أحدنا إذا أراد أن يطبِّق مثل هذه الضوابط والقيود قبل الحكم على المعيَّن لوجدها من المحال أن توجد في هذا العصر!، وهذه هي غاية أهل التمييع.


20- التلاعب بالقواعد العلمية والأصول السلفية من أجل عدم المؤاخذة بها.
قلتُ: مثل وصف المسائل الخلافية بالمسائل الاجتهادية؛ لأنَّهم يعرفون أنَّ قاعدة لا إنكار في المسائل الخلافية على الإطلاق مردودة، وأما المسائل الاجتهادية فلا يسوغ فيها الإنكار!. 
ومثل حمل المجمل على المفصل في كلام البشر على الإطلاق.
ومثل عدم الإلزام بالجرح المفسَّر إلا بشرط الإجماع أو الإقناع.
ومثل التفريق بين خبر الثقة وحكم الثقة في التعامل مع أحكام العلماء في التحذير من المبتدعة.
ومثل التفريق بين مصاحبة المبتدعة ومخالطتهم.
وغيرها من القواعد والأصول.
وكلُّ ذلك ليس من باب البحث العلمي في مثل هذه المسائل، بل كان منشؤه لحماية أنفسهم ومَنْ ينتصرون لهم من أحكام العلماء.


21- إنكار امتحان الناس - في حال الريبة والجهالة - في أهل السنة المعروفين أو في أهل البدع المعروفين.
قلتُ: من المعلوم أنَّ سلفنا الصالح كانوا إذا ارتابوا في أحد أو جهلوا حاله سألوه عن أحد أهل السنة المعروفين في بلدهم فإنْ أثنى عليه خيراً عرفوا أنه من أهل السنة، وإنْ تكلَّم فيه بسوء عرفوا أنه من أهل البدع، وكذلك كانوا يسألون عن أهل البدع المعروفين؛ فإنْ أثنى عليهم خيراً ألحقوه بهم، وإنْ جرحهم عرفوا أنه من أهل السنة. وأهل التمييع اليوم يستنكرون هذا الامتحان ويعدُّونه من البدع.
لكن لا بد أن نعلم أنَّ هذا الامتحان لا يعمل في كل حال وفي جميع المجالس ومع كل الناس؛ حتى يصير حال الشباب لا يعرفون إلا قول: ما تقول في فلان؟! وما تقول في فلان؟!، بل أهل السنة المعروفين بسلامة المعتقد وسداد المنهج لا يُمتحنون، ولا يكون الامتحان إلا في حال الريبة أو الجهالة، مع كون الحاجة تقتضي معرفة حال الممتحَن.


وأخيراً:
فهذه هي سمات الحدادية الغلاة وسمات المميعة، فلا بد للسلفي أن يجتنب هذه السمات كلها، وعليه أن يميز بين المنهج السلفي والمنهج الحدادي من جهة، وبين المنهج السلفي والمنهج التمييعي من جهة أخرى، وعليه أن لا يطلق وصف "حدادي" أو "مميع" على أحد من السلفيين جزافاً، لأنَّ في هذا تفريقاً للصف وتمزيقاً للكلمة وتوهيناً للقوى وإضاعة للجهود وشماتة الأعداء. أما من اتصف بهذه الصفات فيستحق وصف "حدادي" أو "مميع" بحسب منهجه، لكن على السلفي أن يتأنَّ في هذا الإطلاق حتى يقيم الحجة على المخالِف، ويتلطف به، ويرفق بنصيحته، ويلين له القول، ويصبر عليه، فإنْ لم يجد منه إلا إصراراً وعناداً وتمادياً في الباطل وزيادة في الغي، فليصفه بما يستحق تمييزاً لمنهج أهل الحق من منهج أهل الباطل، ولئلا يلتبس الأمر على الناس فيغتروا بأهل الباطل.
وأسأل الله تعالى أن يحفظنا من مضلات الفتن ما ظهر منا وما بطن، وأن يوفقنا جميعاً إلى معرفة الحق والانتصار لأهله، ومعرفة الباطل ومعاداة أهله، إنه ولي المؤمنين.


وكتبه
رائــد آل طــاهر
غفر الله تعالى له

حمل المقال من هنا
Read More...

 

اطلع عليها فضيلة الشيخ العلاّمة الوالد ربيع بن هادي المدخلي

وحثَّ على نشرها فضيلة شيخنا العلاّمة الوالد عبيد الجابري.


 

إعداد
أبي معاذ
حسن العراقي


حدثني الشيخ عبد الله بن مهاوش الزوبعي أنّه عرض رسالة (براءة الدعوة السلفية ) على الشيخ الوالد ربيع بن هادي المدخلي (فقرأها وقال عنها جيدة ) وذلك في موسم حج عام 1434 هــ.
وحدثني مرةً أخرى بحضور جمعٍ من طلبة العلم في المدينة النبوية في شهر 24 جمادى الآخرة عام 1436هــ، وطلب مني نشرها .
وفي زيارتي إلى المدينة النبوية التقيت ُ بشيخنا الوالد " عبيد الجابري – سدده الله – في بيته في المدينة النبوية 27/ جمادى الآخرة عام 1436 ، فقرأتُها عليه فحثَّ على نشرها ، وكان ذلك بحضور مجموعة من طلبة العلم .




درر من كلام العلماء
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:
«لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية تُرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات؛ فيتولد فساد عظيم»( ).
• وقال: «فرب قاعدة لو علم صاحبها ما تفضي إليه لم يقلها»( ).
• وقال ابن القيم - رحمه الله -: «إن القلب الحي هو الذي يعرف الحق ويقبله ويحبه ويؤثره على غيره؛ فإذا مات القلب لم يبق فيه إحساس ولا تمييز بين الحق والباطل، ولا إرادة للحق وكراهة للباطل، بمنزلة الجسد الميت الذي لا يحس بلذة الطعام والشراب وألم فَقْدِهما؛ وكذلك وصف سبحانه كتابه ووحيه بأنَّه روح لحصول حياة القلب به، فيكون القلب حيًّا ويزداد حياة بروح الوحي فيحصل له حياة على حياة، ونور على نور»( ).
• وقال العلَّامة ابن عثيمين - رحمه الله - : «يقول العلماء: من حُرم الأصول حُرم الوصول؛ لذلك ينبغي لنا أن نحرص على معرفة القواعد، وعلى معرفة ما تتضمنه، وأن نتباحث فيها، وأن نسأل من هو أعلم منّا حتى نحصل على المقصود». انتهى( ).
• وقال: «وإنَّما على المرء أن ينظر في كلام من ردَّ عليه؛ فإن تبين أن الصواب معه وجب عليه أن يحمد الله تعالى؛ حيث هيأ له من يبين له الصواب ويفتح له باب الحق، ووجب عليه أن يرجع إلى الصواب؛ فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل»( ).
قال الشيخ العلاّمة ربيع بن هادي المدخلي .
• «والعاقل المنصف البصير يدرك متى يجب أو يجوز الكلام، ومتى يجب أو يجوز السكوت» «المجموع» (9/145).
• وقال: «فعلى من يتصدى لنقد البدع وأهلها أن يسلك طريق الكتاب والسنة، ويسلك مسلك السلف الصالح في الدقة في النقد والجرح» «المجموع» (9/159).


الهدف من الرسالة
• الدفاع عن المنهج السلفي وبيان براءته من غلو الغالين وتفريط المضيعين المتهاونين.
• الدفاع عن علماء المنهج السلفي؛ وذلك لأن أهل الغلو –الحدَّاديةء يتهمون العلماء بالتمييع والتفريط، وأهل التمييع يتهمون علماء أهل السنة بالغلو والتشدد.
• تحذير المسلمين عمومًا وطلبة العلم خصوصًا من الوقوع في هذين المنهجين.

أهمية الرسالة
تتضح أهمية الرسالة من أهمية الموضوع الذي تعالجه، وهو: «خطورة الانحراف المنهجي» الذي أدى إلى كثرة الاختلافات بين طلبة العلم خصوصًا؛ حيث انقسم طلبة العلم في أكثر البلاد الإسلامية إلى طرفين ووسط.

قسمٌ: غلا وتعنت وتعصب لذوات أشخاص، يعتقد أن عندهم غيرة على السُّنة، أكثر من غيرهم، فقلدوهم في تبديع من لا يستحق التبديع، وهجر من لا ينبغي هجره، والطعن فيمن يحرم الطعن فيه، وهم من نهج المنهج الحدادي وسار عليه وارتضاه منهجًا وسلوكًا.

وقسم آخر: تعصب وتحزب حول أُناس، اعتقد أنَّهم أحرص على جمع الصف، وأرأف حالًا بالناس، وأبلغ مقالًا، وأعدل أصولًا من غيرهم.
فقلدوهم في توثيق من لا ينبغي توثيقه، وتعديل من يجب تجريحه، والدفاع عمَّن اتضح وافتضح أمره، وشاع بين العالمين انحرافه، وهم من نهج منهج الحلبي وسار عليه، وارتضاه منهجًا وسلوكًا.

وبسبب هذين المنهجين ضاع كثير من الشباب، الذين كانت الأمة الإسلامية تنتظرهم ليحملوا عقيدتها ويدافعوا عن صفاء منهج سلفها، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقسم ثالث: وهم أهل الحق الذين أخذوا بمنهج السلف والتفوا حول العلماء؛ فسلكوا المنهج الوسط المبني على الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، من غير إفراط الحدَّادية وغلوهم، ولا تفريط الحلبية وتهاونهم.





بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
لا يخفى على طلبة العلم المتابعين لما يحدث في الساحة الدعوية من كثرة المناهج المنحرفة التي تأسست على قواعد وأصول مخالفة لأصول السلف، وكثرة الفتن التي أثمرتها تلك المناهج المنحرفة.

فالسعيد من هُدي إلى الصراط المستقيم والشقي من كُتبت عليه الضلالة.
قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ [هود: ١١٨، 119]. يقول الإمام السعدي في تفسير هذه الآية الكريمة: «اقتضت حكمته، أن لا يزالون مختلفين، مخالفين للصراط المستقيم، متبعين للسبل الموصلة إلى النار، كلٌّ يرى الحق فيما قاله، والضلال في قول غيره.﴿ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ﴾ فهداهم إلى العلم بالحق والعمل به، والاتفاق عليه، فهؤلاء سبقت لهم سابقة السعادة، وتداركَتْهم العناية الربانية والتوفيق الإلهي، وأما من عداهم، فهم مخذولون موكولون إلى أنفسهم»( ).

وإنَّ من أبرز أسباب الفتن: هو عدم الالتفاف حول علماء السنة والتقيد بمنهجهم، وعدم الرجوع إليهم في النوازل الكبيرة، على عكس ما كان عليه سلف هذه الأمة حيث ضربوا لنا أروع الأمثلة في احترام العلماء، وإنزالهم المنزلة التي تليق بهم، وأخذ أحكامهم وخصوصًا في باب الجرح والتعديل، ومعرفة الرجال والطوائف.

ومن فتن العصر التي أحرقت كثيرًا من الشباب، فتنة الحلبي ، وقواعده الباطلة الجائرة، والتي هي امتداد للقواعد الإخوانية، العرعورية، المأربية، وإن أبى وأنكر، وموَّه وتفلسف وتفلت عن أصول السلف!
فالأصول التي سار عليها الحلبي هي نفس الأصول التي سار عليها حسن البنا المصري، وعرعور الشامي، والمأربي المصري، مع تغير في ألفاظ بعض القواعد، مع بقاء المضمون.
فقاعدة المعذرة: «نجتمع فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه».
التي طورها عرعور إلى: «نصحح ولا نجرح».
ثم جاء المأربي فألبسها ثوبًا جديدًا فقال: «نبني ولا نهدم الأشخاص».
ثم انتهت السلسلة بالحلبي ليلبسها ثوبًا حلبيًّا برَّاقًا يسر الناظرين! فقال: «لا نجعل الخلاف في غيرنا سببًا للخلاف بيننا» .

ثم «قاعدة التثبت العرعورية المأربية»، التي انتهت بقاعدة الحلبي «اشتراط الإقناع في الجرح حتى يقبل، أو إجماع معتبر ورد خبر الثقة أو التشكيك فيه، والتفريق بين أحكام الثقات، وأخبارهم في الجرح والتعديل على الإطلاق، وبدون تفصيل .
والذي نعتقده وندين الله به: أنَّ هذه القواعد باطلة مصادمة لمنهج السلف.
وليس هذا من باب التقليد الأعمى، كما يزعمون!
إنّما هذا المنهج هو الذي سار عليه علماء السلف قديمًا وحديثًا.

ولا يسع المقام هنا لذكر أقوالهم في هذا الباب، لكني سأقتصر على ذكر ما قرره إمام من أئمة الجرح والتعديل وهو: عبد الرحمن بن أبي حاتم في مقدمة كتابه «الجرح والتعديل» وما نقله أيضا السخاوي - رحمه الله - عن حال

السلف مع أحكام علمائهم وأئمتهم في العصور الأولى، وكيف كانوا يُنزِلونها منزلتها؛ لاعتقادي أن كلام السخاوي ينقل الصورة المشرقة التي كان عليها سلف هذه الأمة من احترام العلماء والالتفاف حولهم، وأخذ أحكامهم والعمل بها؛ لأنّهم يتكلمون بعلم وعدل، ونصحًا للأمة وتحذيرًا لها من المتلاعبين وقواعدهم.

ثم أذكر أمثلة من أقوال علماء الجرح والتعديل المعاصرين؛ لأبرهن أن هذا هو
المنهج السلفي الذي سار ويسير عليه العلماء الأمناء جيلٌ بعد جيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تصديقًا لحديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم : «لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون». أخرجه البخاري ومسلم.

ولفظ مسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم»( ).
أولًا: ما قرره عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في مقدمته النفيسة لكتابه( ) «الجرح والتعديل» من أحكام الجرح والتعديل وقوانين الرواية، ومنها:
«فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث؛ فهذا الذي لا يختلف فيه، ويعتمد على جرحه وتعديله، ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال»().

ثانيا: قال السخاوي - رحمه الله - : «ثم انتدب في زمانهم أيضًا لنقد الرجال الحافظان الحجتان يحيى بن سعيد القطان وابن مهدي؛ فمن جرحاه لا يكاد يندمل جرحه، ومن وثقاه فهو المقبول، ومن اختلفا فيه -وذلك قليل- اجتهد في أمره»( ).

ثالثًا: الإمام بن باز - رحمه الله - ( ).
جوابًا على سؤال إذا تعارض الجرح والتعديل أيهما يقدم؟ قال - رحمه الله - : «يقدم الجرح إذا صدر مبينًا من عالم من الأئمة العارفين بالأسباب، مبين - سيئ الحفظ ، كذاب - يبين أسباب الجرح ويكون الجارح إمامًا معروفًا.
قال السائل: أحسن الله إليك يا شيخ، وإذا عرف بالشدة كالنسائي؟
فأجاب الشيخ: ولو... إذا بين السبب( ).

رابعًا: قول الشيخ ربيع إمام الجرح والتعديل في هذا العصر.
قال - سدده الله -: «إن أقوال أئمة الجرح والتعديل الأمناء الصادقين العادلين من باب الأخبار؛ لأنها قائمة على دراسات لأحوال الرواة ورواياتهم، وعلى معرفتهم بسيرهم وأخلاقهم وصدقهم وضبطهم وإتقانهم، أو كذبهم أو سوء حفظهم أو سوء معتقدهم، ومن طرق كثيرة توصلهم إلى معرفة مراتب الرجال ومراتب رواياتهم؛ لأن الله الذي تعهد بحفظ دينه أحلهم هذه المنزلة.
فيجب على المسلمين قبول أخبارهم عن أحوال الرجال وعن أحوال رواياتهم وعقائدهم، هذا هو الأصل.

ومن الأدلة على أن أقوال العلماء في الجرح والتعديل من باب الأخبار الحديثان النبويان الآتيان:
عن أنس بن مالك ﭬ قال: مُر بجنازة فأثني عليها خيرًا فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : «وجبت وجبت وجبت» ومُر بجنازة فأثني عليها شرًّا فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : «وجبت وجبت وجبت» قال عمر: فدًى لك أبي وأمي، مُر بجنازة فأثني عليها خيرًا فقلت: «وجبت وجبت وجبت» ومُر بجنازة فأُثني عليها شرًّا فقلت: «وجبت وجبت وجبت» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار؛ أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض». متفق عليه. أخرجه البخاري في «صحيحه» حديث (1367)، ومسلم حديث (949)، واللفظ لمسلم.
الشاهد من هذا الحديث:
1- إقرار النبي شهادة بعض أصحابه على أناس بالخير والشر»( ).
ثم ذكر الشيخ ربيع - سدده الله - حديث عمر بن الخطاب وهو بنفس معنى الحديث المتقدم.

خامسًا: قول الشيخ عبيد وهو من علماء الجرح والتعديل الأمناء الثقات العالمين بالرجال والمناهج.
سُئل الشيخ عبيد الجابري -سدده الله- هل هناك فرق بين خبر الثقة، وحكم الثقة؟
فأجاب الشيخ: الحكم قضاء والخبر نقل:
فمثلًا حينما يأتيك رجل ثقة عندك لا تشك فيه ويذكر لك خبرًا ما، في قريتك أو في غيرها فأنت تقبله، هذا هو السبب، ولا تحتاج إلى تثبت، ومن الأدلة على قبول خبر العدل، وأنه لا يحتاج إلى تثبت قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا }الحجرات: ٦ .
﴾ [الحجرات: ٦].
فهذه الآية بمنطوقها قاضية بوجوب التبيُّن والتثبت في خبر الفاسق أصحيح هو أو لا؟ هذا بمنطوقها، وبمفهومها قاضية على عدم التثبت في خبر العدل وإن كان واحدًا.
أما الحكم فهو قضاء، يعني: أحيانا يكون فتوى، عالم يصدر كلامًا فيقبله الناس يجب عليهم قبوله، وقد يطلبون منه الدليل، وقد يكون عندهم من الثقة ما يكفيهم، إلا إذا عارضه قول عالم آخر؛ فنحتاج هنا إلى إقامة الدليل.
عالم زكى رجلًا وعالم جرحه، فهنا نحتاج إلى الدليل؛ لأن ذلك ثبتت عندنا عدالته، زكاه رجل عالم فاضل موثوق بعلمه زكاه، والآخر جرحه فنطلب منه الدليل، أما المستور والمجهول فإذا جرحه عالم من العلماء يكفي لا يلزم طلب الدليل منه؛ لأنه مستور أصلًا أو مجهول، فهذا خبر وحكم في آنٍ واحد»( )

انتهى.

وسُئل الشيخ عبيد -حفظه الله- أيضًا:
«ما قولكم فيمن يقول: لابد من التفريق بين حكم الثقة وخبر الثقة، فحكمه لا يلزمنا وخبره يلزمنا؟
الجواب: لا أعلم لهذا أصلا عند السلف أبدًا، فهذه من الفلسفات والتقعيدات الحديثة من إفراز قاعدة المعذرة والتعاون فيما أظن، هي تؤدي إلى تلطيف البدع وأهلها، حكم الثقة وخبر الثقة معمول بها عند السلف إذا ثبت نقل الدليل حكم عليه أولًا، فمن ثبتت عدالته حكم له بها يقال عدل، ومن ثبت جرحه حكم بجرحه بناء على ما ثبت بالدليل فنحن أمة الدليل»( ).
قلتُ «حسن»: وفي آخر لقاء جمعني بالشيخ عبيد الجابري -سدده الله- في بيته دار النقاش حول هذا الموضوع ضمن مجموعة أسئلة سألتُها له منها السؤال الآتي:
سؤال: في جلسة علمية جمعت بعض الإخوة دار النقاش حول موضوع «حكم قبول خبر الثقة» و«حكم الثقة»، وذلك لأن بعض الإخوة غير ضابط لهذه المسألة، ومعلوم كلامكم، وكلام الأئمة أنه قد يخرج الحكم مخرج الخبر إذا كان من عالم ناقد يقوم بنقد الرجال يخرج مخرج الخبر يجب قبوله، لكن الأصل: أن الحكم قضاء والخبر نقل، هل هذا التفصيل فيه شيء يا شيخ؟
الجواب:
أولًا: نحن لسنا قضاة، ولا نلزم أحدًا بأقوالنا أبدًا، وإنما نحن مفتون فإذا بلغنا أمر أصدرنا فيه من القول ما ندين الله به من حيث الصحة والضعف، وإذا كان عن الرجال من حيث الجرح والتعديل بالدليل، وهذا هو الملزم، الملزم ما هو؟ الملزم: الدليل!
وقد يختلف العلماء في رجل، أو في رجال إلى طائفتين إحداهما تجرح وأخرى تعدل، فقول هؤلاء المختلفين ليس ملزمًا بحد ذاته للطرف الآخر، وإنما يلزم الطرف الآخر الدليل الذي لا يقبل التأويل، هذه القاعدة التي تقررت عندي من خلال النظر في أقوال علمائنا المتقدمين والمعاصرين.
س2: هل عندكم كلام آخر يا شيخ قديم هو: الذي يقول بهذا التفصيل قد شابه أقوال المميِّعة مع أن المميِّعة معروف أنهم إنما فرقوا لا ، لأجل التفريق وإنما لرد كلام العلماء.
الجواب: هذا مثلًا للذي خالفنا في هذا قد يكون مميِّعًا ويمكن يسمَّى المُخذِّل المُثبّط.
مسألة ظهر فيها الدليل أنا أقول نعم هذا مثبِّط؛ لأن الدليل ظاهر ليس بمحتمل، وقد يكون عالمًا صاحب سُّنّة لكن ما بلغه ما بلغنا من الدليل!
يعني المسألة تحتاج إلى نظر وتفصيل، ولسنا على قاعدة الحلبي «لا نجعل الخلاف في غيرنا سببا للخلاف بيننا».
فهذا ليس بصحيح، هذا الرجل معروف من المُثبِّطة من المُخذّلة والمُميّعة والجانحة إلى السياسة.
لكن قد يكون الرجل الذي عدَّله فلان من الناس يعني خفي عليه ما علمته أنا، هنا يقال أنا أريد أنا أدافع عمَّا وصلتُ إليه، ومن قَبِل قولي كذلك، هذا الدفاع من قاعدة: «من علم حجة على من لم يعلم».
سؤال: يعني يا شيخ من جهة اللغة هناك فرق بين الحكم والخبر.
الجواب: الحكم هو القضاء.
لكن الحكم على المقالة نفسِها، هذا يمكن لعالم من العلماء يقول هذه المقولة كفر، وقائل هذا كافر على سبيل العموم، لكن على سبيل التقييد والتعيين ، لابد من اجتماع الشروط وانتفاء الموانع.
ثم الحكم الذي يوجب الحد أو التعزير، هذا للقاضي، لكن أنا أحكم على المقالة ، وأحكم على القائل على سبيل العموم، وقد أحكم على شخص بعينه بأنه قال ما هو معلوم من الدين بالضرورة بأنه كفر، مثل قول السويدان أنّه «ليس عنده مشكلة في الاعتراض على الله»واستدل بما هو فاسد ثم قال أنا ما أردتُ!
القائل أو الفاعل لا يسأل عن مراده أبدًا، العبرة بالظاهر من الأقوال والأفعال، فإن كانت حسنة حُكم لهذا الذي أظهر قولًا أو فعلًا بأنه صائب، وإن كانت سيئة يحكم عليه بالإساءة.
هذا واضح؟ واضح للجميع...» انتهى. سجل هذا اللقاء في بيت الشيخ عبيد الجابري في المدينة النبوية: (7/5/1434 هجرية).

وقد دلَّ كلام العلماء على عدة أمور منها:
أولًا: حتى يكون الحكم على الشخص من باب الخبر؛ فلابد أن يصدر من عالم صادق أمين عارف بأسباب الجرح والتعديل، «وخصوصًا في المسائل الخفية»، وأما المسائل الواضحة الظاهرة «كالرفض مثلًا» فهذه للعلماء ومن دونَهم كطلبة العلم .
وإذا تخلفت هذه الشروط ، فلا ينطبق عليه هذا التأصيل كأن تتخلف عنه العدالة، أو الضبط، أو العلم بأسباب الجرح والتعديل، وذلك حتى لا نقع من جهة أخرى بمشابهة الحدَّادية فنجرِّح من لا يستحق التجريح، أو نُبَدع من ليس بمبتدع، بناءً على حكم أي ثقة؛ لأن منهج أئمة النقد المتقدمين ومنهم ابن أبي حاتم الذي نقله السخاوي، والعلماء المعاصرين والمتمثل بكلام الشيخ بن باز، والشيخ ربيع، والشيخ عبيد، مقيد بأحكام العلماء الأمناء العالمين بأسباب الجرح والتعديل مع معرفتهم بالرجال، وأقوالهم، ومقالاتهم، وخبرتهم الطويلة بأصولهم المعوجة وخطورتها وخطورة لوازمها( ).
ولا يلزم من كلامي هنا أن الجرح والتعديل خاص بالعلماء فقط!
فهذا ليس محور الرسالة، وهذا الموضوع له بحث خاص، وتكلم فيه العلماء كثيرًا، وفرقوا بين البدع الظاهرة الواضحة وبين البدع الخفية.

وتأكيدًا على هذا الكلام؛ فقد أخبرني الشيخ عبد الله بن مهاوش أنَّه سأل فضيلة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي -سدده الله- في (23 صفر عام 1435) بعد أذان المغرب في مكة المكرمة.حول هذا الموضوع: السؤال التالي: (هل حكم الثقة كخبره) يختص بالعلماء. أو: هو لكل ثقة وإن لم يكن عالمًا كطلبة العلم مثلًا ؟ قال الشيخ ربيع – حفظه الله - الجواب:
«هذا السؤال أفصل فيه، فإن كان الأمر ظاهرًا كالرافضة فنعم لطلبة العلم...
وأما المسائل المُشكلة والتي تحتاج بحث فهذه خاصة بالعلماء»( ).
ثانيًا: ومن ثمرات كلام العلماء ، هو عدم الوقوع في أصول المميِّعة والمفرِّطة ومنهجهم الذي بَنوه على قاعدة «لا يلزمني»، أو «لابد من الإجماع أو الإقناع في الجرح حتى يُقبل ،! أو تفريقهم بين خبر الثقة وحكم الثقة في الحكم على الأشخاص على الإطلاق، الذي أرادوا به عدم قبول أحكام العلماء الثقات الأمناء النُّقاد بالمجروحين.
ثالثًا: أن أحكام العلماء مبنية على الاستقراء التام لأحوال المُتكلم فيهم، وسبر أقوالهم، ومعرفة مضمونها وما دلت عليه، مع الاستشهاد بنصوص الكتاب والسُّنَّة على إبطالها؛ فهي ليست من مسائل الاجتهاد التي لا يثرَّب على عدم الأخذ بها كما يدندن حوله الحلبي والحلبيون.
رابعًا: المنهج الوسط أن الأصل لغةً وشرعًا أن هناك فرق بين الحكم والخبر، لكن الحكم قد يخرج مخرج الخبر بالشروط التي ذكرتُها، وعلى هذا تلقت الأمة أحكام أئمة الجرح والتعديل في الرجال بمثابة الأخبار.

براءة الدعوة السلفية من أصول وسلوك الحدادية .

حاولت في رسالتي هذه بيان الآثار الخطيرة للدعوة الحدَّادية على المجتمع المسلم عمومًا وعلى طلبة العلم خصوصًا( ).

فمن المعلوم: أن أهل السُّنة والجماعة هم أرأف الناس بالناس، فأحكامهم مبنية على العلم والعدل، والدافع لها النصح للأمة وللمنصوح أو المردود عليه، ويقصدون في ذلك التعبد لله تعالى، وتحقيق الولاء والبراء، الذي هو "من أصول " العقيدة الإسلامية، إلى غيرها من مقاصد الهجر التي ذكرها أهل العلم في كتبهم ورسائلهم، ويسلكون في ذلك الوسط من غير إفراط ولا تفريط؛ فلا يظلمون من ظلمهم، ولا يجهلون على من جهل عليهم، مع استخدام النصيحة للمخالف سرًّا، وعلنًا حسب ما يقتضية المقام، مع الصبر الطويل على المخالف خصوصًا إذا كان يدعي السُّنّة.

قال الشيخ ربيع بن هادي المدخلي - سدده الله -: «وأنا أقول للإخوان: الذي يقصر ما نسقطه - نهلكه -، الذي يخطئ منَّا ما نهلكه  - بارك الله فيكم -، نعالجه باللطف والحكمة، ونوجه له المحبة والمودة إلى آخره، حتى يئوب، وإن بقي فيه ضعف ما نستعجل عليه، وإلا والله ما يبقى أحد، ما يبقى أحد.
الناس الآن يطاردون، يطاردون السلفيين حتى أتوا إلى العلماء وسموهم مُميِّعين،  - بارك الله فيكم - ، الآن ما بقي في الساحة عالم تقريبًا إلا - طبعًا هي طريقة الإخوان - طريقة أهل بدع - طريقة أهل البدع من أسلحتهم أن يبدءوا بإسقاط العلماء، بل هي طريقة يهودية، هي طريقة يهودية ماسونية، إذا أردت إسقاط فكرة فأسقط علماءها أو شخصياتها  - بارك الله فيكم - »( ).
ومن الفتن الكبيرة الفتنة التي أطلَّت على الناس في هذا الزمان «فتنة الحدَّادية».
تلك الفتنة التي أوقعت شباب المسلمين في أصول أهل الغلو والتعنت، والتجريح غير المنضبط بضوابط المنهج السلفي، والتي كان الحداد رأسًا لها، ومن سار على شاكلته.

حيث ابتدأت الطعن في النووي وابن حجر والبيهقي والطحاوي، ثم التبديع لكل من لم يبدع هؤلاء على قاعدتهم «كل من لم يبدع المبتدع فهو مبتدع»، دون تفصيل، أو قيود.
ثم الطعن في أئمة الدعوة السلفية كشيخ الإسلام ابن تيمية  - رحمه الله - ورميه بموافقة المرجئة.

ثم الطعن في علماء الدعوة السلفية المعاصرين؛ حيث بدءوا بالمُحدِّث الألباني، وتضافرت جهودهم في ذلك، ورميه بالإرجاء تارة، وبالتحزب تارة أخرى.
ثم انتقل طعنهم إلى علماء المدينة النبوية ورميهم بالتحزب والتقليد للشيخ الألباني، ورميهم بالإرجاء وغيرها، من الطعونات الجائرة المبنية على الهوى والجهل.

وغمزهم ولمزهم لعلماء كبار أيضًا كالشيخ ابن باز، والشيخ العثيمين، تارة تصريحًا وتارة من طرف خفي.
ولا زالت حربهم قائمة مُستعِرَة ضد المنهج السلفي وعلمائه، يعلنون ذلك ويكتبونه في مواقعهم المنحرفة كموقع «الآفاق» و منتدى «الأثري»، ومنتدى وموقع «عماد فراج»( ) الحدادي... وغيرها.

نسأل الله العافية والسلامة من الانحراف العقدي والمنهجي والسلوكي( ).
ومن هنا يعلم براءة الدعوة السلفية من منهج الحدَّادية الغالي، ومنهج المُميِّعة الحلبية المُفرِّط.

فأسأل الله العظيم أن يتقبل منَّا، ويجعل ذلك في ميزان حسناتنا، ونعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى، ومن الغي بعد الرشد، وأن يجمع كلمة أهل السنة على الحق والهدى وأن يعيذنا وإيَّاهم من نزغات الشيطان.


1429370805371.jpg





حمل من هنا

أو من هنا
 



Read More...